المستقبل 2026، بدا واضحاً أن النقاش ينتقل تدريجياً من مرحلة الانبهار بالتكنولوجيا إلى البحث عن كيفية تحويلها إلى استثمار وإنتاج وقيمة مضافة.
تنتظم القمة تحت شعار صياغة مستقبل الذكاء الاصطناعي من الرؤية إلى القيمة، بتنظيم من المنظمة العربية لتكنولوجيات الاتصال والمعلومات وبالتعاون مع وزارة تكنولوجيات الاتصال التونسية، بمشاركة صناع قرار وخبراء ومؤسسات دولية وإقليمية وشركات ناشئة ومستثمرين وباحثين.
يعكس اختيار هذا الشعار تحولاً مهماً في طبيعة المقاربة، فامتلاك استراتيجية للذكاء الاصطناعي لم يعد كافياً، ما لم تتحول إلى مشاريع قابلة للتنفيذ والتوسع وإلى عائد اقتصادي واجتماعي ملموس.
الاقتصاد في قلب التحول
يتمثل أحد أبرز رهانات القمة في ربط الذكاء الاصطناعي بمنظومة الاستثمار، فقد خصص البرنامج منتدى للاستثمار العربي في الذكاء الاصطناعي بهدف تقريب الحكومات والمستثمرين والشركات الناشئة ومؤسسات التمويل، وتحويل الابتكارات التكنولوجية إلى مشاريع قابلة للتوسع وتحقيق أثر اقتصادي فعلي في المنطقة العربية والإفريقية.
تكمن إحدى أهم الرسائل الاقتصادية للقمة، في الذكاء الاصطناعي لا ينبغي أن يُنظر إليه فقط باعتباره أداة لرفع الإنتاجية، وإنما كقطاع اقتصادي قائم بذاته يمكن أن يخلق شركات وأسواقاً ووظائف جديدة، ويعيد تشكيل قطاعات تقليدية مثل الصحة والزراعة والخدمات والمالية والنقل.
وتكتسب هذه المقاربة أهمية خاصة بالنسبة إلى تونس، التي تبحث عن قطاعات جديدة قادرة على جذب الاستثمار ورفع تنافسية الاقتصاد. فامتلاك الكفاءات البشرية وحده لا يكفي؛ المطلوب تحويل المعرفة إلى منتجات وخدمات وحلول قابلة للتصدير، خصوصاً نحو الأسواق العربية والإفريقية.
من المستهلك إلى المنتج
كان الانتقال من موقع المستهلك إلى موقع المنتج أحد أبرز المحاور التي برزت في افتتاح القمة. فقد شدد الأمين العام لجامعة الدول العربية نبيل فهمي على ضرورة ألا تكتفي الدول العربية باستهلاك ما ينتجه الآخرون، بل أن تصبح فاعلاً في ثورة الذكاء الاصطناعي، من خلال تطوير القدرات والبنية التحتية وتبادل الخبرات والاستثمار في الشباب.
وتحمل هذه الرسالة بعداً اقتصادياً واضحاً، إذ إن الاعتماد الكبير على منصات وتقنيات أجنبية قد يحوّل الذكاء الاصطناعي إلى مصدر جديد للتبعية الرقمية. لذلك تبرز الحاجة إلى بناء منظومات عربية قادرة على تطوير البيانات والنماذج والتطبيقات، وتعزيز التعاون بين الجامعات والشركات ومراكز البحث والحكومات.
الحوكمة والسيادة الرقمية
لا يمكن أن يكون التسريع في استخدام الذكاء الاصطناعي منفصلاً عن قواعد الحوكمة، وقد برز خلال القمة توجه نحو وضع إطار عربي مشترك لحوكمة الذكاء الاصطناعي، مع تنسيق السياسات التشريعية ووضع معايير أخلاقية وتنظيمية مشتركة تحمي الخصوصية والحقوق وتدعم الثقة في التكنولوجيا.
ومن المنتظر كذلك إطلاق مؤشر إقليمي يحمل اسم "مستقبل" لقياس مستوى جاهزية الدول ونضج منظومات الذكاء الاصطناعي ومتابعة تقدمها، بما يوفر أداة للمقارنة وتقييم السياسات.
الصحة والبنية التحتية والمهارات
اختارت القمة الصحة الذكية، محوراً تطبيقياً رئيسياً، في محاولة للانتقال من الخطاب العام حول الذكاء الاصطناعي إلى استخدامات عملية وآمنة وموثوقة، خصوصاً في تحسين الرعاية الصحية وتعزيز السيادة الصحية، كما طُرحت قضايا البنية التحتية الرقمية والأمن السيبراني وبناء القدرات باعتبارها شروطاً أساسية لأي تحول حقيقي.
وتقود هذه النقاشات إلى توصية مركزية مفاجها انه لا يمكن بناء اقتصاد ذكاء اصطناعي من دون استثمار موازٍ في الإنسان والبنية التحتية والبحث العلمي والتشريعات. فالمنافسة المقبلة لن تكون فقط على امتلاك أحدث التطبيقات، وإنما على امتلاك البيانات والكفاءات والقدرة على الابتكار.
وبذلك تضع قمة الحمامات المنطقة العربية أمام اختبار حقيقي فهل تتحول مخرجاتها إلى سياسات واستثمارات ومشاريع قابلة للقياس، أم تبقى في حدود المؤتمرات والإعلانات؟ الإجابة لن تحدد فقط موقع المنطقة في خريطة الذكاء الاصطناعي، بل ستحدد أيضاً قدرتها على تحويل الثورة الرقمية إلى نمو اقتصادي وفرص عمل وسيادة تكنولوجية.